الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

300

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأعمال الصالحة لأجل أن أحيا في هذه الدار . والمراد : الحياة الكاملة السالمة من العذاب لأن حياتهم في العذاب حياة غشاوة وغياب قال تعالى : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ الأعلى : 13 ] . وحرف النداء في قوله : يا لَيْتَنِي للتنبيه اهتماما بهذا التمني في يوم وقوع . والفاء في قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ رابطة لجملة لا يُعَذِّبُ إلخ بجملة دُكَّتِ الْأَرْضُ لما في إِذا من معنى الشرط . والعذاب : اسم مصدر عذّب . والوثاق : اسم مصدر أوثق . وقرأ الجمهور يُعَذِّبُ بكسر الذال و يُوثِقُ بكسر الثاء على أن أَحَدٌ في الموضعين فاعل يُعَذِّبُ ، و يُوثِقُ وأن عذابه من إضافة المصدر إلى مفعوله فضمير عَذابَهُ عائد إلى الإنسان في قوله : يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وهو مفعول مطلق مبيّن للنوع على معنى التشبيه البليغ ، أي عذابا مثل عذابه ، وانتفاء المماثلة في الشدة ، أي يعذب عذابا هو أشد عذاب يعذبه العصاة ، أي عذابا لا نظير له في أصناف عذاب المعذّبين على معنى قوله تعالى : فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 115 ] والمراد في شدته . وهذا بالنسبة لبني الإنسان ، وأما عذاب الشياطين فهو أشدّ لأنهم أشد كفرا و أَحَدٌ يستعمل في النفي لاستغراق جنس الإنسان فأحد في سياق النفي يعمّ كل أحد قال تعالى : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] فانحصر الأحد المعذّب ( بكسر الذال ) في فرد وهو اللّه تعالى . وقرأه الكسائي ويعقوب بفتح ذال يعذب وفتح ثاء يوثق مبنيين للنائب . وعن أبي قلابة قال : « حدثني من أقرأه النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قرأ يعذب ويوثق بفتح الذال وفتح الثاء » . قال الطبري : وإسناده واه وأقول أغنى عن تصحيح إسناده تواتر القراءة به في بعض الروايات العشر وكلها متواتر . والمعنى : لا يعذّب أحد مثل عذاب ما يعذّب به ذلك الإنسان المتحسر يومئذ ، ولا يوثق أحد مثل وثاقه ، ف أَحَدٌ هنا بمنزلة « أحدا » في قوله تعالى : فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 115 ] .